الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
246
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
في جملة : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس إرادة تكوينية لا تشريعية . ولمزيد التوضيح ينبغي أن نذكر بأن المراد من " الإرادة التشريعية " هي أوامر الله ونواهيه ، فنعلم مثلا أن الله سبحانه يريد منا أداء الصلاة والصوم والحج والجهاد ، وهذه إرادة تشريعية . ومن المعلوم أن الإرادة التشريعية تتعلق بأفعالنا لا بأفعال الله عز وجل . في حين أن الآية أعلاه تتعلق بأفعال الله سبحانه ، فهي تقول : إن الله أراد أن يذهب عنكم الرجس ، وبناء على هذا فإن مثل هذه الإرادة يجب أن تكون تكوينية ، ومرتبطة بإرادة الله سبحانه في عالم التكوين . إضافة إلى ذلك ، فإن مسألة الإرادة التشريعية فيما يتعلق بالتقوى والعفة لا تنحصر بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأن الله قد أمر الجميع بالتقوى والتطهر من الذنوب ، وبذلك لا تكون لهم مزية وخاصية ، لأن كل المكلفين مشمولون بهذا الأمر . وعلى أية حال ، فإن هذا الموضوع - أي الإرادة التشريعية - مضافا إلى أنه لا يناسب ظاهر الآية ، فإنه لا يتناسب مع الأحاديث السابقة بأي وجه من الوجوه ، لأن كل تلك الأحاديث تتحدث عن فضيلة سامية وهبة مهمة خاصة بأهل البيت ( عليهم السلام ) . ومن المسلم أيضا أن " الرجس " هنا لا يعني الرجس الظاهري ، بل هو إشارة إلى الأرجاس الباطنية ، وإطلاق هذه الكلمة ينفي انحصارها وكونها محدودة بالشرك والكفر والأعمال المنافية للعفة وأمثال ذلك ، فإنها تشمل كل الذنوب والمعاصي والمفاسد العقائدية والأخلاقية والعملية . والمسألة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها بدقة هي أن الإرادة التكوينية التي تعني الخلقة والإيجاد ، تعني هنا " المقتضي " لا العلة التامة لتكون موجبة للجبر وسلب الاختيار . وتوضيح ذلك ، إن مقام العصمة يعني حالة تقوى الله التي توجد عند الأنبياء والأئمة بمعونة الله سبحانه ، لكن وجود هذه الحالة لا يعني أنهم غير قادرين على